الرئيسية arrow نصوص arrow مقابلات arrow أنت من عائلة عريقة
الرئيسية
سيرة ذاتية
نصوص
أرشيف
مواقع صديقة
صور وفيديو
للاتصال
أنت من عائلة عريقة

صلاح حسن
أنت من عائلة أكثر أفرادها يعملون في مجال المسرح والفكر.. هل لهذا الجانب أثر في توجهك للمسرح؟
 نعم. رغم أن الأستاذ عبد الإله كمال الدين رفض قبولي في معهد الفنون عام 1971 واقنع لجنة الاختبار بعدم قبولي طالباً في قسم التمثيل. وهو بذلك القرار أراد أن ينقذ علاقاتنا العائلية من كارثة. فالتمثيل بالنسبة لعائلة مثل عائلتي كان يقارن بفن الدعارة.. ولذلك لم يكن بإمكاني أن أبدأ شيئا. بعد ثلاث سنوات قررت رغم كل شيء الدخول إلى أكاديمية الفنون الجميلة. وبعد ذلك بعام وجدت خطواتي الطريق إلى فرقة المسرح الفني الحديث. كانت عائلتي المثقفة آنذاك تخجل من ذكر اسمي،

حتى اشغلت في " المسرح الفني الحديث "! وحين بدأ اسمي يتردد في وسائل الاعلام. خالتي مدرسة الأدب الانجليزي والمناضلة الديمقراطية كانت أيضا مولعة بالمسرح اضافة الى كتابتها للشعر. خالتي هي التي قادتني في دهاليز المسرح عام 1969 في مدينة بابل، حيث أخرج الطيب الذكر ياسين لطيف مسرحية بيت برناردا ألبا لاعدادية البنات، وخالتي هي التي ربتت على طموحاتي وجعلتني انتظر حتى تتاح لي الفرصة لأقرر لوحدي بدء حياتي. كان أهلي يفضلون أن أصبح شاعرا أو كاتبا للقصة. وقد دفع أمر تحريم المسرح موهبتي للتشتت بين القصة والشعر حتى حسمت الأمر حين بلغت سن الرشد. الأمر مختلف اليوم بالنسبة للأجيال الجديدة، أو على الأقل آمل ذلك.
أنت تعيش في بلجيكا وأسست صحراء 93.. لماذا صحراء ولماذا 93؟
عام 1993 سميت أنتوربن المدينة التي أعيش فيها عاصمة ثقافية لأوربا. في ذلك العام كنا مجموعة من المثقفين غير البلجيك نعمل بدأب لأجل الحصول على فسحة للعمل في عاصمة أوربا الثقافية. بيد أن العاصمة كانت قد اختطت لنفسها نهجا واضحا، عاصمة أوربا الثقافية تعني تقديم الثقافة الأوربية، وبما أن المدينة أوربية من جهة وفلامانية اللغة والتاريخ من جهة أخرى فيجب التركيز على موضوعة الثقافة المحلية الفلامانية ودعوة أسماء ثقافية مهمة وبخاصة من الناطقين باللغة الإنجليزية، ذلك أن الفلامان يكرهون الثقافة الفرنسية كره العمى. النشاط الثقافي الوحيد على صعيد المسرح والذي حاولت المدينة فيه أن تغطي من خلاله توجهاتها القومية الشوفينية هو عمل عن يوغوسلافيا تمت دعوة أحد المخرجين اليوغوسلاف لتقديم عمل عن الحرب الأهلية آنذاك للمسرح الملكي، وكان ذلك العمل لا أكثر من أضحوكة تري كم هي الثقافة اللا غربية متخلفة. عندها اتفقت تلك المجموعة المثقفة على تأسيس مؤسسة ثقافية تفضح سياسة المدينة العنصرية. صحراء هو استعارة واضحة باتهام المدينة أنها صحراء ثقافية لما هو غير أوربي. أما 93 فيشير إلى السنة التي كانت فيها عاصمة ثقافية. من جهة أخرى تعني صحراء 93 شيء آخر. صحراء تعني اللانهائية، السحر، الشفاهية، الشرق.. أما 93 فتعني الحدود، العلم، الوثيقة، الأوربي. الرقم هو الوثيقة والصحراء هي المدى اللامحدود. صحراء 93 تؤمن بتفاعل الثقافات عبر التناقض، المجابهة، التوافق، التوازي.. تؤمن بوحدة وصراع الثقافات. تؤمن أن الثقافة الغربية مثلا تكمّل الثقافة العربية وبالعكس.
في أعمالك المسرحية ثمة مزاوجة بين عناصر من المسرح الشرقي وأخرى من المسرح الغربي؟
المزاوجة بين الشرقي والغربي أمر غير تقني. لقد ولدت في الشرق ويتوجب علي أن أقضي حياتي في المنفى، في الغرب. لهذا السبب تراني في حالة بحث لا يتوقف عن طرق ولوج مغاليق الممثل والمشاهد، وفي حالتي أنا أبحث عن مفاتيح تفتح أقفال المشاهد البلجيكي. في المسرح العربي يختلف الأمر ذلك أن المسرحي العربي يقدم عروضه لأبناء جلدته، وهذا ربما ما يفسر غياب مثل هذه الأعمال هناك، إن كانت غائبة.
إن المزاوجة بين الاثنين تقتضي منا أولا أن نعترف بأن ما لا يستطيع أن يدركه العقل الواعي في الغرب يحتاج إلى أسلوب آخر للتواصل. وبأن ما لا يستطيع الشعور أن يتعرف عليه عن طريق العقل اللا واعي ( الديني.. الخ ) في الشرق يحتاج لأسلوب آخر للتواصل مع الغرب. إن البحث عن مدخل لمزاوجة هذين النمطين الحياتيين يقتضي توسيع فسحة الروح والعقل وليس توسيع العقل عن طريق فهم الشرق ولا تشذيب الروح عن طريق الإحساس بالنمط الغربي.
هذه التجارب غير مألوفة للمسرح العربي.. هل يكمن السبب بتعلقك بمدرسة غروتوفسكي، أم لأنك تقدم أعمالا إلى جمهور غربي؟
إن ما تسميه تعلقا بمدرسة جروتوفسكي، يفرض علي أن أقول بسرعة أني غير متعلق بجروتوفسكي. جروتوفسكي بذل جهدا استشراقيا كبيرا وبصدق، بيد أنه بقي استشراقيا. فبعد أن تعب الرجل من بحث ستانيسلافسكي النفسي وحرب البيوميكانيكا ضد المدرسة الواقعية في أواسط الخمسينات، أسرته الثقافات الشرقية كما أسرت من قبله آرتو واعتقد أن الخلاص يكمن هناك أو إن الطريق إلى الانتحار ( التدمير الذاتي ) يكمن هناك.
آرتو تحدث كثيرا وبإعجاب شديد عن بالي وعن كاتكالي وعن الحروف المصرية القديمة واعتقد أن الخلاص الذي سينقذ المسرح الأوربي من موته يجب أن يكون هناك. كلمات آرتو جريحة ثاقبة البصيرة وتعادي بشكل مطلق كل شكل من أشكال السلطة أو التسلط. لقد تجرأ على الحديث عن الطاعون باعتباره ظاهرة مفيدة ولم يسبقه إلى ذلك من قبل في أوربا سوى بودلير في أزاهير الشر. جروتوفسكي واصل خطى آرتو مع النقد لآرتو بيد أنه اقتطع من السياق الشرقي عناصر وضمها قسرا أو عضويا إلى منظومة بحثه المسرحي. اعتقد لسنوات طويلة مثلا أنه من خلال اليوغا يستطيع إعداد منظومة حركية للممثل وعندما فشل في ذلك اعتقد أن نظام اليوغا نظام مغلق تعبدي meditation.
أنا أؤمن أن الرجل قام بفتوحات عبقرية في تاريخ المسرح المعاصر وربط ذات الممثل الحقيقية بالحياة الجسدية، بالفعل النفسي، وبآلية التحول الكيماوي لعناصر العرض المسرحي حتى تندمج في وحدة كلية. أؤمن أيضا أن الرجل كان صادقا ومخلصا ولم يهادن ولم يساوم على ايماناته الفنية تحت ضغوط الإيديولوجية أو السوق أو موظات ما بعد الحداثة.
إن خلفياتي المسرحية هي ستانسلافسكي وبريخت، على الطريقة العراقية، ولاحقا في المنفى حصلت على خلفيات أخرى: جيرزي جروتوفسكي ( مسرح الينابيع ) من خلال رينا ميريسكا، أتيان دوكرو ( المايم الجسدي والاعراب الحركي ) من خلال يان روتس، فيسفولد مايرخولد ( البيوميكانيك ) من خلال توني دو ماير، تاتسومي هيجيكاتا ( مسرح البوتو ) من خلال ميناكو سيكي، يوجينو باربا ( أنثروبولوجيا المسرح ) من خلال المدرب لودو فان باسل، و ميرسل كوننكهام ( الرقص المعاصر ) من خلال ريا دو كورته.
بيد أنني لم أكن متعلقا بأحد منهم تعلق التابع لشيخ وطريقته. إبان دراستي للمايم الجسدي لثلاث سنوات كنت دائم العلاقة النقدية بما نسميه الإعراب الحركي وصولا إلى بناء الفكرات الجسدية. وإبان دراستي للبيوميكانيك لمدة عام مع توني دو ماير كانت تستحوذ علي دائما رغبة المحاكاة الساخرة، ذلك لأن أصل البيوميكانيك مأخوذ عن الكوميديا دو لارتى، مغيب عنها عنصرين أساسيين من هذا الفن العريق: الوضعية الحركية في حالة التوازن القلق وفسحة الارتجال. في كافة الاتودات التي تعلمناها كان الأساس يرتكز على عدم فقدان التوازن أو غياب التوازن القلق. وفي كافة المبادئ التي تعلمناها كان الأساس هو دقة الحركة ومضبوطيتها بدلا من التركيز على الدوافع، الأمر الذي يعيق اندفاع الارتجال بالطبع. أما عند دراستي ليوجينو باربا ( ثلاث سنوات ) فقد استحوذ علي إعجاب وانبهار، ذلك أن التأويل لدى باربا هو مفتاح العلاقة بين العناصر النفسية العقلية الجسدية والخيال والمعايشة. لا يوجد عنوان لما هو ثابت لدى باربا. حتى عندما نتعلم القواعد سرعان ما تتعرض القواعد للتحوير والتطوير والتأويل. في ذات الوقت يركز الرجل كثيرا على دقة الأداء. وأما عندما درست البوتو ( عام واحد ) فقد أخذتني ميناكو سيكي إلى مجاهيل نفسي، حررتني من جاذبية الأرض ومن اليومية الاستهلاكية، بيد أني لم أقبل عليها حين حولت البوتو إلى بانتومايم. ذلك أن حركة البوتو تأسست كرد فعل ثوري على تقليد الثقافة اليابانية المستمر للغرب دون أن تعلن هذه الحركة قطيعة مع ثقافة الغرب وسعت إلى فضح ثقافة الغرب دفاعا عن الثقافة اليابانية، ولم تقدم نفسها وسيطا لاصلاح الثقافة الغربية.
الفنانون اليابانيون الذين حذوا حذو هيجيكاتا اعتمدوا مفرداته الأساسية كقاموس للبوتو وراحوا يحفرون عميقا. الجزء المعتم في الإنسان وعلاقته بالأرض والطبيعة والسماح للطبيعة بالتأثير على كل شيء حتى العرض المسرحي. لقد نشأت حركة البوتو كاحتجاج بعد الحرب العالمية الثانية ودفاع عن حضارة الشرق اليابانية وبنت أسلوب جسدي جديد. ولكن بعد موت هيجيكاتا، جاء المبدع الياباني إلى الغرب لكي يبيع بضاعته من جديد لكي يثبت انه شيء ذي قيمة. وقد فعل الياباني ذلك عن طرائق ما يسمى فتح الصناديق المقفلة للأوربي لكي لا تبقى هذه الطريقة من العمل hermetic. وقد حدثت بناء على ذلك مقاربات تسطيحية للجانب المعتم في الإنسان. فامتلاء الجسد بالكائنات اللا أرضية يتحول إلى كيس شاي يمتلئ بالماء. وبدلا من تحول الجسد على فضاء من الغموض السحري يدخل الدود في البطن، ويخاف الإنسان من اكتشاف الفضاء، ويرسم في ثنايا جسده الرقم 8 ويحول ثورة القوى الساكنة في داخل الجسد إلى breakdance . لقد أصبحت هذه الحركة في أوربا كوميديا تستخدم تقنيات من البوتو الأصل لتقدم تجربة أكاد أسميها exotic ترضي المشاهد المدمن على الاكزوتيكية.
هل هذه عقدة نقص باتجاه الغرب؟
إن الشرقي عموما ينظر إلى الغرب من حيث هو عقدة نقص، الغربي أعلى من الشرقي، الغربي هو المركز، الغربي هو المسيطر. والشرقي يأتي غالبا إلى الغرب لكي يتعلم من الغرب لا ليفاجئ الغرب بمحدوديته المعرفية أو قل أحاديته المعرفية. إنه يأتي حاملا معه ثقافته ليقدمها على طبق أوربي، أو على طبق شرقي يداعب الصورة التي رسمها الغربي عن الشرق ذات يوم. والمثقف الشرقي في الشرق هو مثقف مستعبد للثقافة الغربية وأسير تقاليدها ( سواء كانت هذه التقاليد ماركسية أم إمبريالية ) وتساهم في ذلك القمع السلطات الشرقية أيضا.
 أريدك أن تحدثنا عن ظاهرة ( الدراماتورغ ).. المسرحيون العرب لا يعرفون ما هي وظيفة الدراماتورغ، وهل تؤثر على عمل المخرج؟
العرض المسرحي مؤلف من عناصر محددة: ممثل ومشاهد في حالة لقاء زمانية ومكانية. العناصر المسرحية الأخرى هي وسائل لجعل هذا اللقاء ممكنا.
الموضوع، التقنيات وقيادة العمل هي العناصر الأساسية لعمل الدراماتورغ: الموضوع مؤلف من جانبين صوتي وجسدي: النص هو عنصر صوتي أساسي أو قل هو المناسبة التي يلتقي المشاهد والممثل عليها. النص بحاجة إلى تأويل إلى عصرنة ( إلى اعادة تأليف ) لكي يصبح راهنا موجها إلى مجموعة بعينها من المشاهدين. الدراماتورغ يقوم بهذه المهمة يدا بيد مع المخرج، ويقوم أيضا بمهمة مراقبة التأويل إبان تحوله إلى صورة فنية. المخرج هو مبدع منفعل ويخضع كثيرا لخيالاته بيد أن الدراماتورغ هو صمام الأمان الذي لا يسمح بظهور تعارض بين كودات النص وما وراءه، وآليات تحول النص إلى صورة حية تحت قيادة المخرج.
الدراماتورغ في فرقتنا مثلا هو الناقد الأزلي لمختلف مراحل تطور البروفه المسرحية وصولا حتى العرض حيث تتغير مهمته وتصبح ذات طابع تنظيمي.
يشارك الدراماتورغ مشاركة فعلية في تمارين اعداد العرض التي يحددها ويقودها المخرج ويخوضها الممثل، ذلك أن الدراماتورغ يجب أن يختبر بجسده ماذا يحدث للممثل من الداخل. الدراماتورغ الذي يعتمد على تحليل الحركة من الخارج لن يعرف ماذا يحدث داخل الممثل، أو ما هو فعل الممثل الداخلي. لكي لا أكون تجريديا دعني أضرب لك مثلا:
كنت بانتظار صديق في مقهى وكان ذلك الموعد هاما جدا. لكن ذلك الصديق تأخر. بمرور الوقت بدأت أفقد صبري وبدأت أعصابي تثور. ثورة الأعصاب انتقلت إلى أصابع يدي التي راحت تعزف لحنا إيقاعيا على الطاولة. مزيج من " الهيوة " و " الدارمي " وإرتجالات أخرى. بعد زمن من ثورة الأعصاب هذه تصاعد عزف الإيقاع على الطاولة. وكان بضع فتيات يجلسن إلى طاولة بجانبي.
ـ إنه لحن جميل، خفيف، راقص، فرِح!
هكذا كانت تعليقاتهن حين أنصتن جيدا للموسيقى الايقاعية. إن تأويل اللحن من قبل الفتيات ( من الخارج ) تشير إلى أن اللحن كان فرحا، بينما مصدر اللحن هو ثورة الأعصاب. إن المسافة بين حقيقة الفعل من الداخل ورؤيته من الخارج هي مصدر التباس وليس مصدر فهم كما نعتقد، وذلك بسبب سياق الكودات التي تعلمناها في سياق حياتنا اليومية والتي دجّنت أفعالنا الداخلية. إن الشكل الخارجي لا يعكس حقيقة الفعل الداخلي ولا يترجمه إذا أخضعنا هذا الفعل لآليات الاشارات الحركية المتعارف عليها. لأن الفعل الداخلي يرفض الانصياع لميكانيزمات الفهم السائدة. لأن ميكانزمات الفهم السائدة عاجزة عن نقل المعنى. أو لأنها تنقل المعنى بطريقة أحادية.
أود أن أشير بهذا الى أن العمل في فضاء الجسد عمل ملتبس ولهذا فوظيفة الدراماتورغ أن يعي هذا أولا قبل أن يعطي تقييمه، وقبل أن يبدأ العمل على التأويل.
الدراماتورغ والمخرج يعدان آليات مسار البروفه المسرحية معا: جدول التمارين، والمشاهد المسرحية، ويقوم الدراماتورغ بتبليغ الجميع. ترتيب مواعيد اللقاءات مع الديكور والاضاءة.. الخ. والدراماتورغ عضو فاعل في المجال الفني والعملي والتقني. شخصية محورية بين التمرين وما هو خارجه. متابعة ما لم يتحقق من الناحية الفنية والعملية، وتحديد ما يجب تحقيقه: على صعيد النص، الاخراج، التمثيل، الموسيقى، الدعاية والاعلام، الانتاج من النواحي العملية التطبيقية.
الدراماتورغ في عمل فرقتنا مثلا ( إذا صح التعبير المجازي القادم ) هو عقل المخرج، والمخرج هو عاطفة الدراماتورغ، أحدهما يكمل الآخر.
في عملك الأخير ( عاصفة من اللوحات ) شاركت رينا ميريسكا وهي آخر تلامذة جروتوفسكي كدراماتورغ جسدي إذا صحّت التسمية.. كيف تعاملتم مع بعض؟ وما هو تأثيرها على الممثلين وعليك بالتحديد؟ ماذا أضافت إلى تجربتك؟
رينا ميريسكا رائعة. فتاة بلغ عمرها الثامنة والستين للتو. الحب الذي تمنحه لك هو حب لا نهائي وأيضا دون مقابل. كانت رينا تقول أود أن أمنح الممثل أعز وأعمق ما في دواخلي. لقد كانت تكره الأحكام السبقية ولا تريد أن تعرف إن كنت قد وزعت الأدوار على الممثلين قبل مجيئها أم لا. لقد اكتفت بقراءة النص مرة واحدة، وطلبت مني أن ترى بعض أعمالنا بالفيديو، وإذا أمكن أن تقرأ نصوصا أخرى لي. وكانت فضولية لمعرفة كيف أفكر بالبروفة المسرحية. ماذا سأفعل إذا ما غادرت. أثناء الورك شوب لم يكن ثمة أي وقت لتبادل الكلمات. ما أن يدخل الممثل المبنى حتى يصطدم برائحة البخور. بالصمت. وبملاكتين بثياب بيضاء تجوبان المكان؛ رينا ميريسكا ومساعدتها إيفا. وعلينا جميعا أن نخلع ملابسنا بصمت وننزع كذلك هموم الحياة اليومية لكي ندخل في جنة روحانية. لم تكن ميريسكا مشغولة بالجسد كما قد يعتقد بعض الذين يرون في المسرح تقنيات محددة. لقد كانت رينا مشغولة بكسر جرة الأمان، بالبحث عن روح اللا اطمئنان لدى الفنان. فحين يولد القلق تنشأ الحركة، ينشأ الفعل.
في عاصفة من اللوحات كسرنا جرة الأمان، وانتزعنا السؤال أو بالأحرى الأسئلة: ماهي علاقة الجماليات الغربية بالوحشية والقتل؟ ما هي علاقة حكايات الطفولة بالتربية الشريرة؟ ما هي..؟ ما هي..؟ أتفهم ما أعني؟
لماذا لا يستقطب مسرح جروتوفسكي والمسرح التجريبي جمهورا واسعا؟
المسرح يموت. يساعد في دقّ مسامير نعشه ترسيخ تقنياته التقليدية، ومحاولة توسيعها وتنويعها وإعادته إلى الحياة من خلالها بهدف التمكن من منافسة أدوات إعلامية واسعة الانتشار ومعاصرة، مثل التلفزيون والسينما والفيديو. إلاّ أن التركيز على هذه التقنيات باعتبارها بديهيات هو بالضبط ما يُحجّم المسرح ويقولبه في إطار ثابت، منتفخ، ومزدحم.
المسرح غير قادر على منافسة وسائل تكنولوجية معاصرة. المسرح قادر على شيء واحد هو خلق لقاء حي حميمي لا تستطيع التكنولوجيا أن تعوضه. ولكن منذ زمن طويل تحول المشاهد إلى عنصر سلبي يستقبل ما يريد العرض المسرحي قوله. وبهذا يتساوى الجميع، جميع من يجلس في الصالة، أمام عرض مسرحي يقول لهم شيئا واحدا؛ حكاية واحدة، زاوية نظر واحدة، ديكور وإضاءة واحدة. الجميع يرى وجه الممثل أو بروفيله، ولا أحد يرى قفا الممثل في اللحظة التي يرى فيها آخر مقدمته. أن مثل هذه العروض تذكرني بسياسة القطيع!
لقد سيقت شعوبنا كجماعات ( أو قطعان بالأحرى ) إلى شيء ما. جماعات يسوقها دكتاتور واحد. جماعات تتبع حزبا واحدا. جماعات تتبع شاعرا واحدا. أو مخرجا واحدا. هل هذا هو المسرح الذي نريد والذي يستقطب جمهورا واسعا؟ الحياة لم تعد تؤمن بهذا كلّه!
الالتباس والتنوّع في العرض المسرحي، " وفي الحياة بشكل عام " هما الشعار الذي ينبغي أن يسود المسرح.
إنّ ما يراه أحد المشاهدين في المشهد يراه الثاني بطريقة أخرى، ومن زاوية مختلفة، زمانية، مكانية ونفسية. بحيث أحاول أن يخرج كل مشاهد من مسرحيتي بتأويل لا علاقة له بتأويل المشاهد الآخر. بهذه الطريقة يفقد المسرح سلطة المقولات، والشعارات، ويكتسب طاقة أخّاذة كالكلمات غير المدوّنة في الحضارات الشفاهية التي تقبل تأويلات تناقض بعضها بعضا، أو كالفن التجريدي المعاصر، يبعث في كل مشاهد حكاية المشاهد، وليس حكاية اللوحة. ولأجل تحقيق هذا عليك أن تواجه الجمهور واحدا واحدا لا قطيعا، وهو أمر يتعارض مع سياسة الغرب الحالية: سياسة استهلاكية الثقافة. لقد بحث جروتوفسكي عن أساليب لإحياء المسرح. ثقافة الغرب ثقافة استهلاكية والمسرح بحميميته لا يسمح لأعداد كبيرة من الجمهور أن تأتي الأمر الذي يضر بشباك التذاكر
أنت كمخرج تتعامل مع الجسد كقيمة مطلقة.. ما هو دور الفعل الحركي مثلا في تنمية بنية العرض المسرحي؟
أنا أؤمن أن للكائن الإنساني ثلاث حيوات مرتبطة ومنفصلة عن بعض، وهي؛ العقل والعاطفة والجسد. أؤمن أيضا أنه منذ بدأ العقل يفكر، بدأت التمارين الأولى للسلطة أو التسلط: العقل يتعلم ممارسة سلطته، يسيطر تدريجيا على الإحساس، ثم يقمعه متواطئا مع المجتمع والتاريخ والأعراف. ومن خلال التواطؤ مع الإحساس يمارس الاثنان قمعا منظّما على حياة الجسد.
إنّ الجسد الذي يمتلك من الطاقات ما هو خارج سلطة العقل والعاطفة، ويتجاوز قدرته الذاتية كما في الطقوس، لا يستطيع أن يمارس كينونته خارج كونه أداة بيد العقل أو العاطفة. ولكي يتحرر الجسد من عبوديته ينبغي إلغاء السلطة الأولى، سلطة العقل، وبناء علاقة تكافؤ وصراع غير متسلطة معه. وهذا لا يتم إلاّ من خلال العودة إلى الحسية كمرحلة في هذا الطريق. ولكي نخلق مسرحا حسيا ينبغي قبل كل شيء إخراج الصوت عن مدلوله أو مداليله اللغوية، وإلغاء اللباس الميت للجسد؛ حركته اليومية المؤدبة..
في هذا السياق يتنكّر عملي للأساليب التي يرتديها الجسد اليومي أو الجسد المستخدم كوعاء لتجميع المعارف. كما ترفض طريقة عملنا استخدام الحواس على أنها متنصّتاً أو ناقلا للمعلومات عن العالم الخارجي. إنّ الحواس ( النظر، السمع.. الخ ) ليست مجرد وسائط نقل معلومات. إنها عناصر تواصل/توازن بين العالم خارج الذات والذات. إن الإنسان الشرقي ذو طبيعة استقبالية أكثر مما هو ذو طبيعة إرسالية. نحن نستمع ولا نتسمّع. والقرآن يحذّر من التنصت من وراء في الحجرات.
نحن نعمل في مرحلة التركيز على اتصال المركز ـ الذات ـ بما هو خارجها، مع جملة عناصر أهمها: الممثل الآخر، الفضاء المسرحي، والنص.
إن علاقة الممثل بما هو خارجه، هي علاقة شرطها الأساسي العري ـ كشف الذات ـ وملامحها الامتداد، والتواصل، والمجابهة. كما إن هدف هذه المرحلة يكمن في توحيد ذات الممثل العارية مع عناصر العمل المسرحي الأخرى لكي يصبح الجميع ـ ذات ـ واحدة لها مركزها الخاص الذي نوظّبه بحيث نتعامل مع عناصر جديدة خارج تلك الذات؛ أعني المشاهدين.
وفي هذه المرحلة أنا لا أعتبر " المشاهدين " مجموعة عناصر استقبال أستخدمها لإيصال فكرة، أو لإرضاء غروري، أو للبحث من خلالها عن الشهرة، أو أمارس عليها سلطة ما، أو أقول لها شيئا، أو أعلّمها شيئا. لا. إنّ علاقتنا بالمشاهدين هي الأخرى علاقة امتداد، تواصل، ومجابهة. وهكذا، فأن العلاقة مع المشاهدين لا تتم إلاّ عبر اكتشاف المركز ـ مركزنا ـ ثم تقويته وتطويره حتى يصل مرحلة الاستعداد للوقوف وجها لوجه أمام ذلك العنصر الجديد: المشاهد.
إلى أي نمط من الأنماط تنتمي العروض التي تقدمها؟
إلى لا نمط.
لماذا لم تخرج أعمالا باللغة العربية حتى الآن؟ هل الجمهور غائب؟ كيف تفسر ذلك؟
منذ أكثر من خمسة عشر عاما أعيش في دولة غربية لا تتحدث اللغة العربية ولهذا فليس من المنطقي تقديم عمل باللغة العربية لمشاهدي هذا البلد. توجد إمكانية لتقديم أعمال باللغة العربية في المنطقة العربية، ولكن لا أدري إذا كان السادة المسؤولين عن الثقافة في المنطقة العربية قد سمعوا باسمي. إذا طلب مني تقديم عمل باللغة العربية لفرقة في المنطقة فلن أبخل في نقل خبراتي إلى هناك.

 
Next >
  • English