|
حازم كمال الدين وجّه الاستاذ حسن اللواتي من أسرة المسار دائرة العلاقات العامة والإعلام جامعة السلطان قابوس دعوة للدكتور حازم كمال الدين للمشاركة في النقاش حول موضوع التابو (المحرّم). وبما أن كمال الدين يعيش منذ عقدين في بلد أوربي (بلجيكا) وعلاقاته متركزة بحكم عمله المسرحي والاكاديمي على المجتمع البلجيكي. ارتأى أن يكتب ما يلي: ماهو الممنوع؟ يختلف المحرّم من مجتمع الى مجتمع، ومن دين الى دين ومن نمط سياسي في الحكم الى نمط. ففي الأنظمة الشيوعية مثلا ثمة انواع من التابو لا تشبه تلك الموجودة في العالم الرأسمالي ولا الموجودة في جمهورية ايران الاسلامية.
في المجتمع البلجيكي توجد أنواع من التابو لا تشبه الانواع الموجودة عندنا الا من حيث الاسم. في احدى محاضراتي في جامعة Gent حول موضوع الثقافات المتعددة ـ موضوع اختصاصي ـ تساءلت عن معنى التابو فكان جواب الطلبة انهم أحرار وليس لديهم تابو. التابو بالنسبة لهم مصطلح تاريخي. تحدثنا في الدين فتناولنا الدين المسيحي من جوانبه المختلفة بل وتناولنا مواضيع معادية للدين مثل الديانات التي تؤمن بالشيطان. وحينما تحدثنا عن الجنس كانت الاجوبة متنوعة وحرة. الطلبة لم يجدوا بأسا حتى في الحديث عن اللحظات الخاصة ـ الحميمة ـ في العلاقة الجنسية. الجسد ليس محرّما. العري ليس ممنوعا ولا عيبا ولا موضع استنكار. ومديح شهوانية المرأة مبعث للاعتزاز بالنفس (لدينا يقارن هذا بالعهر). وعندما تحدثنا في السياسة كان الحديث مرة اخرى حرا فتناولوا اصحاب الشأن بالقذع او المديح وتناولوا سياسات حكوماتهم بنقدية جذرية. واذ نحن على ذلك الحال سألتهم عن رأيهم بأسامة ابن لادن. فحلّ الصمت. صمت مكهرب ومشحون. لم يتحدث أحد عن أسامة بن لادن سلبا أو ايجابا. لقد لمست أن الطلبة لم يكونوا فيما بينهم ليسمحوا بالحديث عن ابن لادن، مجرد حديث، ناهيك عن اشهار الاتفاق الفكري او الديني معه. سالتهم عن جيش التحرير الايرلندي فكان ذلك مرة اخرى ممنوعا من الحديث الا من حيث انه محرّم. سألت فيما لو كان بين الطلبة واحدا أو واحدة من المثليين جنسيا، فتنوعت الاجوبة وكان الحديث يأخذ طابع الفخر كون الفتى الفلاني مثلي جنسيا أو الطالبة الفلانية مثلية جنسيا. يجب أن أعترف بأن احترام الطلبة للشباب المثليين جنسيا يفوق الفتيات. سألت فيما لو كانت واحدة من الطالبات قد تعرّضت لاغتصاب من أبيها وعندها توتر الجو. اذ كيف يجرؤ المحاضر على طرح مثل هذا السؤال. قلت أن الاحصائيات تشير إلى أن أكثر من 10% من الفتيات البلجيكيات يتعرضن لحالات اغتصاب من الاباء. موضوع العلاقة الجنسية بين الاب والبنت موضوع محرّم. تحدثت لهم عن تاريخ يعرفونه جيدا، تاريخ كاليجولا الذي تزوج اخته واوديب الذي اقترن بأمه فكان حديثي موضع استنكار. باختصار يمكنني أن أستنتج من المثال السابق أن المجتمع في أوربا تخلص من تابو الدين الكلاسيكي، فدفن التقاليد الدينية نتيجة لفصل الدين عن الدولة وبالتالي تراجع دور الدين. لكن المجتمع الاوربي لم يتخلص من التابو الجنسي رغم ما نراه من مظاهر التحرر الجنسية ولا من التابو السياسي. أما لدينا فما زال الدين مهيمنا على المواضيع التي تناولتها للتو. فمثلا موضوع المثلية الجنسية الذي يعتبر في الغرب موضوع طبيعي لدى الاجيال الجديدة يعتبر عندنا تابو. فالجنس عند الغرب لا يرتبط بالمحرّمات التي نفهمها كعرب ـ اللقاء الجنسي، او الارتباط الجنسي قبل الزواج وغير ذلك ـ في الغرب يتركز موضوع التابو الجنسي على مواضيع مثل الـ ـ incest ـ الذي يعتبر عندنا ظاهرة غير موجودة أو بالاحرى ظاهرة يتم التعتيم عليها بشكل مطلق لأنها من الكبائر. ما علاقة التابو بالمقاربات العربية للمصطلح: ثمة خلط بين مصطلح الممنوع والمحرّم وما بينهما: غير المرغوب، غير المستحب أو المكروه، المستنكر، المستهجن.. الخ. وفي رسالتك عزيزي الاستاذ حسن اللواتي لاحظت أن سيادتك تتحدث عن المحرّمات في الدين والجنس والسياسة وعن الممنوعات في ذات الوقت دون تمييز. أنا أعتقد أن هناك مصطلحين هما: المحرّم والممنوع. دعني أسأل سؤالا: هل التعاون أو التعامل مع العدو (صهيوني أو غيره) ممنوع أم حرام؟ هل أكل لحم البشر ممنوع فقط أم حرام وكذلك لحم الخنزير؟ هل العلاقة الجنسية بين الاباء والابناء ممنوعة أم محرّمة؟ اذا لاحظت هذه الامثلة الثلاثة ستجد أن التعامل مع العدو ليس حراما. فذات لحظة يمكن الاتفاق على رفع التحريم عن التعامل مع العدو! التأويل يلعب دورا حاسما في هذا الموضوع. أما فيما يخص المثلين الآخرين فان التأويل لا يتدخل رغم معرفتنا بأن الله عز وجل قال في كتابه العزيز: (فمن اضطر غير باغ ولا عاد عاد فلا إثم عليه) البقرة/ 173. المحرّم هو ما نصطلح عليه التابو. وكلمة تابو تعني ما تحرمه الاديان او الاعراف ويشمل الجوانب الدينية، السياسية والجنسية. وهو منع ديني على أماكن محددة، أدوات، أشخاص، أو أفعال. واصل المصطلح اللغوي منحدر من ـ tapu or tabu ـ وهو مصطلح يخضع لسياقات ثقافية، دينية وسياسية. من الممكن أن تؤدي ممارسة التابو في بعض الثقافات الى الحاق العار بالشخص او الواقعة او المكان، ويمكن أن تؤدي إلى الحكم على تلك الممارسة بالعزل (في سجن، مشفى) أو الالغاء من الوجود (كتاب يحرق، انسان يقتل). ويشتمل التابو على صعيد الجنس بعضا مما سأذكر: الجنسية المثلية (في الغرب لم يعد تابو)، علاقات الاباء بالابناء الجنسية، اغتصاب أو الزواج بالقاصر (في بعض مذاهب الاسلام مسموح)، ممارسة الجنس مع الجثث ومع الحيوانات. كما أن التعري الجسدي غير مسموح به في الدين الاسلامي والعري في المرافق العامة عند الامريكان. وعلى صعيد الدين يشتمل مما يشتمل على: الكفر، الشرك، الالحاد، الشتم والقذع بالله وبالانبياء والرسل (في الغرب هذه كلها لم تعد ممنوعة). على صعيد الاطعمة يختلف الامر أيضا من دين الى دين: الذبح الحلال الاسلامي، الكوشر اليهودي، النباتية البوذية وتناول اللحوم البشرية. أما على صعيد السياسة فالخيانة هي واحدة من المحرّمات. توجد محرّمات أخرى يشترك فيها أكثر من عامل ديني وسياسي وجنسي مثل الانتحار، طلب الموت من الطبيب بعد استعصاء العلاج. يكتب الباحث العربي عدنان حسين أحمد في بحثه الموسوم التابو في المشهد الثقافي العربي والإسلامي إشكالية التحريم والقمع والمصادرة : (إن فكرة الاستبداد اللاهوتي التي قامت عليها المؤسسة الدينية، كانت ناجمة عن احتكارها لـ (التفسير والتأويل، والتحريم والتحليل) بوصفها الواسطة الشرعية الوحيدة بين الإنسان وخالقه، وهي تشبه إلى حد كبير احتكار الأنظمة الدكتاتورية للسلطات السياسية، وحرمان العامة من المشاركة الحقيقية في صناعة القرار السياسي. من هنا تولّد التابو الديني، ثم تبعه التابو السياسي، وقد تضافرت المؤسستان الدينية والسياسية على صناعة التابو الجنسي.) الممنوع هو فعل غير مناسب القيام به، أو هو شيء لا يسمح استخدامه، أو حدث لا يجوز الحديث عنه، أو قضية خارج تقاليد محددة ومعرّف بها سلفا. الممنوع هو ما لا تجيزه الاعراف. وللمنع درجات: اللا استحباب، كراهية فعل الشيء، استنكار الفعل ثم منع الفعل. المستنكر غير المستحب أو البغيض مثل الطلاق في الدين (أن ابغض الحلال عند الله الطلاق) ومثل عدم تفضيل الارتباط بحزب من خارج احزاب السلطة في السياسة التي لا تحمل أفكار (هدّامة). وفي الجنس بعض العادات الجنسية والتبرج. يدخل في هذا الباب العيب لانه ليس شأنا ذا صلة بالتابو، كما تدخل منع ممارسة عادات محددة، مثل الضرطة عند العرب أو الدريوعة في الغرب، طهور النساء بقطع البظر، والممنوعات السياسية. أما المنكر: فأحد أشكاله الخمر من الناحية الدينية، الترويج للافكار (الهدامة) من الناحية السياسية وبعض الممارسات من الناحية الجنسية. لكن الممنوع يشمل قضايا مثل المخدرات الكتب الاباحية الكتب الشيوعية الكتب التي تحرّض على العصيان أو الثورة أو الالحاد. أخيرا، وقبل أن انتقل الى المسرح لابد أن أشير ألى أن الحديث عن الدين الاسلامي وتأويلاته الكثيرة وتياراته المتشعبة بما فيها تيار أسامة بن لادن تعتبر في الشرق اجتهادا (تأويلا) وموضعا للنقاش لتطوير وعصرنة الدين الاسلامي، بينما في الغرب يعتبر الحديث عن اسامة بن لادن أو اشهار الترحيب بافكاره هو التابو بعينه. التابو في المسرح رغم أن قوانين العملية المسرحية هي أحد الأسباب الأساسية في تراجع هذا الفن (مثلا العلبة الايطالية غير قادرة على منافسة شاشة السينما، التلفزيون والكومبيوتر) الا أن الخروج الجذري على هذه التقاليد ما زال محرما بالمعنى المجازي حينا وبالمعنى الحرفي أحيانا، وبخاصة اذا تعرض للتابو الديني، الجنسي، أو السياسي. ثمة مواصفات محددة هي التي تحدد المسرح المسموح ومن ضمنها الحكاية، المعالجة، النص، الممثل، المخرج والتقنيات. هذه العناصر يجب أن تلتزم بالاعراف المسرحية واللا مسرحية. عام 1997 ذهبت الى مهرجان القاهرة المسرحي ممثلا عن بلجيكا في عمل مسرحي من تأليفي واخراجي وبطاقم بلجيكي. حينها حذف الرقيب من العرض ما يقارب 10 دقائق لانه قرر ان تلك الدقائق تحتوي على ما يخدش الحياء، بعدها منعوا مصمم الاضاءة من أن يضع البروجيكتورات فوق الارض لغرض استخدام تقنية اضاءة جديدة. فالبروجيكتورات بالنسبة لهم مكانها التعليق في السقوف. قبل ذلك التاريخ منعت السلطات العراقية عام 1979 مسرحية الملك هو الملك لأسباب سياسية. في بلجيكا الموضوع يشبه ذلك رغم أنه لا يبدو كذلك للوهلة الاولى. تلعب الموضة وتفضيل تيار فني على آخر في بلجيكا دورا كبيرا في الممنوع المسرحي. توجد في أوربا تقاليد لاحياء العظماء من المسرحيين. عام 2001 مرت الذكرى العاشرة على وفاة أتيان دوكرو Etienne Decroux مؤسس مسرح الحركة أو ما نسميه اليوم المايم الجسدي Dramatic Corporal Mime. في تلك السنة أصبح دوكرو فجأة معاصرا وتم احياء ذكرى الفنان ومناهجه (الطليعية/التجديدية.. الخ) التي بقيت في نظرهم لأكثر من عقدين مسرحا بائدا تقليديا. ما كان ممنوعا عام 1999 أصبح مسموحا عام 2001. في ستينات القرن المنصرم كانت موضة المسرح السياسي وكان الجميع مهموما بالمسرح السياسي. في التسعينات جاءت موضة التخلص من عقد الجسد فكان العري الجسدي على المسرح. أما على صعيد الدراماتورغي فعند البلجيك كان التوليف أو التأليف بين الحركة والنص وما بينهما ممنوعا (مرفوضا) حتى أواسط التسعينات . كذلك المزج بين الفنون: كأن تدخل عناصر أوبرالية في العرض المسرحي او الباليه او ان تقتحم صالة العرض مجموعة رياضية تلعب التنس، أو أن تدخل كونسرت موسيقي على العرض المسرحي فتتحول المناسبة من عرض مسرحي الى كونسرت موسيقي، أو رقص... الخ. باختصار: الممنوع أو المحضور يعني تجاوز حدود السياسة الثقافية المرسومة. في المنطقة العربية يأخذ الممنوع أشكالا أخرى: فيصبح التعرض للاساليب الدراماتورغية السائدة (السبب والنتيجة أو التراتب) موضوع مرفوض وكذا الأمر اذا تعرضت لالغاء الحكاية وبحثت عن لقاء حي خارج الحدوتة. وسيكون مثيرا للسخرية بشكل شديد أن تتعامل مع العلوم والرياضيات في المسرح كما يفعل هذا منذ أواسط التسعينات Paul Pourveur في بلجيكا. لا يحق لك أن تستخدم التقنيات المسرحية خارج سياق وظائفها، مثلا أن تقرر استخدام البروجيكتور باعتباره آلة ايقاع تنتج صوتا وضوءا في ذات الوقت. وعلى صعيد أساليب التمثيل مسموح لك في المسرح أن تعتمد التقليد، المحاكاة، التمثيل، التغريب ولكن ليس مسموحا لك ان تكون أنت نفسك! لا يحق لك ان تخلط بين أساليب التمثيل المتعددة. لا يحق لك أن تقرأ مقالة على الجمهور بدلا من العرض التمثيلي. المخرج يلعب دورا ملتبسا، أحيانا صاحب ثورة وأحيانا يمثل بنفسه سلطة التحريم! أما الأعراف الخاصة بمختلف مشاربها، فتلعب دورا مهما وخاصا في التابو المسرحي. مثلا: هاجم الشرطة المسرح في بغداد لمنع مسرحية الملك هو الملك عام 1979 لأن المسرحية كانت تتعرض لأسلوب الحكم. فالتعرض للسلطة حرام. من جانب آخر رمى الجمهور الأوربي الممثلون بالبيض الفاسد في القرن التاسع عشر لأنهم تجاوزوا على ذائقة المشاهدين. في الاتحاد السوفياتي حكموا على أحد الفنانين بالاعدام لان فنه لم يكن ثوريا بل شكلانيا. وفي الدانمارك كادت وزارة الثقافة أن تلغي دعمها ليوجينو باربا لأنه لم ينتج أعمالا وكثّف عمله على البحث فقط. فالدولة تعتبر مؤسسة باربا مؤسسة مسرحية والمسرح يعني أنتاج عروض مسرحية ولا يعني شيئا آخر. بالمقابل ثمة أعراف أخرى للمنع: فقد هاجم اليابانيون هيجيكاتا بعد عرض مسرحيته (ثورة اللحم) عام 1968 لأنه (مرّغ تقاليد الثقافة اليابانية في الوحل) واعتبرت مفاهيمه الجمالية (هدّامة)! رغم أن ثورته كانت ضد الثقافة المسرحية اليابانية الخاضعة للثقافة الغربية آنذاك. ونعود إلى موضوع العري فنجد أنك لا يحق لك كمخرج في المسارح العربية ان تترك الممثلين في العرض يمارسون الجنس مع بعض أو مع الجمهور كمثل فرقة The Living Theatre أو أن يتعروا. هذه أنواع من المحضور الاجتماعي. ولكن توجد أنواع أقل حدة: التدخين في المسرح. أن تتناول شراب أو طعام. وكذا الأمر مع استخدام الكلمات البذيئة. أن تقدم عرضا مسرحيا في غرفة نومك. وبالطبع وبعد كل هذا يوجد عرف ديني. فالدين يلعب دورا في منع العري وتجسيد الشخصيات المقدسة على المسرح مثل الانبياء. وهذا المنع له طابع التحريم (المحرم المقدس). وكذلك يدخل في مدى التأويل المسرحي اذا خصّ عرضا دينيا. اذن تعتبر (خيانة) تقاليد المسرح على صعيد الاحكام العامة والخاصة ممنوعة: روح التجديد والتجريب الجريء الجذري ممنوع! ادخال أو اقحام عناصر لا مسرحية ولا فنية على العناصر المسرحية ممنوع! التجاوز على قدسية النص والتجاوز على سلطات المخرج الذي يعتبر المؤلف الثاني ممنوع! هل أوضحت لكم الفرق بين المحرم المقدس والممنوع؟ |