|
حازم كمال الدين لقد قرر المنفى مصيري! لقد قرر المنفى مسار عملي المسرحي. فلو لم يقتلعني المنفى من العراق لكنت الآن لا أكثر من مقلّد للمسرح الأوربي! لقد فرض عليّ المنفى أن أبحث عما أضعت؛ أرض الوطن، درجة الحرارة والمناخ، الجسد، الصوت، الأحاسيس.. والحنين.. لقد قرر المنفى مصيري! رحلتي الأولى وضعت حوافرها في معهد الفنون الجميلة عام 1970.. في تلك الأيام رفض عبد الإله كمال الدين أن يقبلني طالباً في قسم التمثيل. وهو بذلك القرار
أراد أن ينقذ علاقاتنا العائلية من كارثة. فالتمثيل بالنسبة لعائلة مثل عائلتي كان يقارن بفن الدعارة.. في تلك الأيام، كانت دراستي الفنية تعني القطيعة مع العائلة. ولذلك قرر الطفل الذي هو أنا أن لا يختار القطيعة. حين أصبح الطفل الذي بداخلي متمردا واختار القطيعة مع العائلة، حفرت خطواتي طريقها إلى أكاديمية الفنون الجميلة بعد أربع سنين. وبعد ذلك بعام وجدت خطواتي الطريق إلى فرقة المسرح الفني الحديث. وبعد ذلك بأربعة أعوام كان المنفى. رحلتي الثالثة غرست عروقها مع إبراهيم جلال في مسرحية " رحلة في الصحون الطائرة " عام 1977. فأشهرت القطيعة مع أكاديمية الفنون الجميلة ومع فرقة المسرح الفني الحديث. لقد تعلمت من إبراهيم جلال في شهرين ما لم أتعلمه لسنوات ثلاث في " الأكاديمية " و " المسرح الفني الحديث "! والآن، بعد كل ذلك الزمن، حينما أنظر لمعنى القطيعة، لا أجد مصطلحا بديلاً عنها سوى " المنفى ". فالمنفى هو اللاّ عودة، أو استحالة العودة. وأنا لم أعد إلى البيت، ولا الأكاديمية.. ولا العراق! هل كانت قطيعتي الجسدية والمعرفية أمر حتمي إذن؟ أم هل إنّ هذه الحتمية أمر فرضته سلطة ما؟ في المنفى اختطت قطعيتي وسائل البحث عن الجسد، عن الصوت، عن الأحاسيس، عن الإيمانات الحقيقية.. لكنني لم اكن مقتلعاً تماماً. فقد بقيت متشبثاً بالنص الكبير، مأسوراً بتصميم الديكورات الواسعة، والموسيقى الكونية.. وشلالات الضوء. شيئان راحا ينموان في الاتجاه الصحيح: معنى المنفى، وجوهر العرض المسرحي. لقد علمني المنفى أنّ العملية المسرحية ليست اتجاها مسرحياteater visie واحدا، وأرشدني إلى ضرورة استقبال معارف مسرحية جديدة. أما عن جوهر العرض المسرحي، فقد علمني المنفى أن أعمل مع الممثل باعتباره مركز الحقيقة المسرحية.. ولقد بصّرني المنفى أيضا بحقيقة أن معرفتي المسرحية لا تنتمي لثقافتي الشرقية، فقد درست في العراق بريخت ونسخة مشوّهة عن ستانسلافسكي. لقد رماني المنفى في بيروت، مع بضعة مسرحيين ممنوعين، يريدون أن يقدموا مسرحاً بديلا؛ في غرف، في ملاجئ، تحت القصف.. لا يهم! فهؤلاء كانوا يبحثون عن مسرح، والمسرح هو عقد حياتهم، والممثل بالنسبة لهم يحقق حضوره أينما وقف. بيروت كانت محطّتي الأولى في المنفى والمحطة الحاسمة. هناك جابهت مفاهيمي المسرحية اللا أصيلةde arificaliteit بجملة من التحديات، حتى أجبرت نفسي أن أبحث عن نفسي، ليس كما أرادت " الثقافة والأعراف والتربية " لنفسي أن تكون، وإنما كما هي حقيقتي. وهناك جابهت أيضاً تقليديّة مفاهيمي المسرحية بجملة من الأسئلة من بينها ما يلي: هل المسرح محاكاة فعل أم إنه فعل بحد ذاته؟ ما هو الإخراج في علاقته بالنص؟ تفسيرٌ للنص؟ تأويل له؟ تأليف جديد؟ أم علاقة أخرى؟ وبعلاقته بالتقنيات المسرحية، هل هو تجسيد لما يحدث في النص، بناء معارض للنص، موازي لما يحدث في النص، أم في علاقة هارمونية؟ وعلاقات التقنيات مع بعض، هل يحكمها مركز اسمه المخرج أو النص أو الحدث أم هل ثمة علاقات داخلية تربط هذه العناصر مع بعضها؟ وإذا كان الأمر كذلك فما هي هذه العلائق؟ هل لها علاقة بالجذور أم بتطوّر تقنيات المسرح اليوم؟ ما هو دور النص في العرض المسرحي Spectacle؟ العرض في خدمة النص المسرحي، أم النص في خدمة العرض، أم هل ثمة علاقة ثالثة؟ ما هو الأساسي في العرض المسرحي؟ الحوارية؟ الصورية Visual ؟ الجسدية؟ أم هذه العناصر جميعا؟ وما هي علاقة هذه العناصر ببعض، وكيف تجتمع؟ من خلال توليفها ـ تنسيقها؟ تفاعلها مع بعض؟ أم لصقها (في كولاج) إلى جوار بعض؟ ما هو التمثيل؟ اندماج، تشخيص، مسافة من الشخصية، أم شيء آخر؟ هل ثمة حاجة حقيقية للديكور، للتقنيات في المسرح؟ هل ثمة حاجة للنص المسرحي المكتوب على الورق؟ هل المسرح في خدمة (سين) من الأهداف ؟ هل هو هدف بحد ذاته ؟ هل هو وسيط ؟ هل هو وسيلة أم غاية ؟ ما هي علاقة المسرح بالتراث ؟ هل العلاقة بالتراث عملية إسقاط على الواقع، أم تحليل ونقد للبنية التي أنتجت الواقع؟ هل علاقات هذه العناصر مع بعضها خارجية ـ شكلانية، أم داخلية ـ بنيوية؟ بـاختصار، إبان تلك السنوات وضعت جلّ معرفتي المسرحية في سؤال، أو بالأحرى؛ أسئلة. ولقد أجبرتني كل هذه الأسئلة على التوقف عن العمل... توقفت عن الإنتاج المسرحي منذ عام 1985 حتى عام 1990. ذلك التوقف كان رحلة قاسية في غابة نفسي: تأمل، مراجعة، نقد، وإعادة ترتيب للذات. لقد أجبرت نفسي أن أنظر في المرآة كل يوم، لا لأستمتع بجمال وجهي، وإنما للبحث عن حازم، للبحث في الماضي. في بيروت عملت مع فرق مسرحية فلسطينية، لبنانية، عراقية وأنا باعتباري منفي سياسي شيوعي كانت شريعتي الأولى بريخت. ولهذا كانت بيروت الاختبار الأول مع رؤاي المسرحية أو بالأحرى المفاهيم المسرحية التي تجمعت لدي بحكم الخبرة والدراسة، فهناك تعرفت على ستانسلافسكي.. جروتوفسكي.. وآرتو.. ففي مدينة الحرب الأهلية ليس العقل من يلعب الدور الأول في البقاء على قيد الحياة وإنما (قوة) الجسد والأحاسيس. هناك ابتدأت المواجهة. جابهت نفسي على أكثر من صعيد، حتى أجبرت نفسي أن أبحث عن نفسي، ليس كما أرادت " الثقافة والأعراف والتربية " لنفسي أن تكون، وإنما كما هي حقيقتي. في بيروت عندما تتعرض للقصف يوميا ترسل بالاتفاقات المسرحية إلى الجحيم. اتفاق مسرحي واحد يبقى هو عفوية وحميمية اللقاء مع الجمهور. لا وجود للرسالة في المسرح سوى رسالة اللقاء التي تؤكد أننا ما نزال على قيد الحياة هذا اليوم. في فن الحكواتي لا توجد رسالة أيضا سوى حقيقة أننا نلتقي مساء في مكان ما. أما جوهر الحكايات التي نتمتع بالاستماع إليها فليست أكثر من وسيط لإحياء اللقاء. إمكانية أخرى للممثل لقد تجاوزت المقدمة تقريبا! والآن دعوني أخبركم ببعض مما توصلت إليه: بعد ذلك السبات الطويل، صرت أؤمن أن للكائن الإنساني ثلاث حيوات مرتبطة ومنفصلة عن بعض، وهي؛ العقل والعاطفة والجسد. أؤمن أيضا أنه منذ بدأ العقل يفكر، بدأت التمارين الأولى للسلطة أو التسلط: العقل يتعلم ممارسة سلطته، يسيطر تدريجيا على الإحساس، ثم يقمعه متواطئا مع المجتمع والتاريخ والأعراف. ومن خلال التواطؤ مع الإحساس يمارس الاثنان قمعا منظّما على حياة الجسد. إنّ الجسد الذي يمتلك من الطاقات ما هو خارج سلطة العقل والعاطفة، ويتجاوز قدرته الذاتية كما في الطقوس، لا يستطيع أن يمارس كينونته خارج كونه أداة بيد العقل أو العاطفة. ولكي يتحرر الجسد من عبوديته ينبغي إلغاء السلطة الأولى، سلطة العقل، وبناء علاقة تكافؤ وصراع غير متسلطة معه. وهذا لا يتم إلاّ من خلال العودة إلى الحسية كمرحلة في هذا الطريق. ولكي نخلق مسرحا حسيا ينبغي قبل كل شيء إخراج الصوت عن مدلوله أو مداليله اللغوية، وإلغاء اللباس الميت للجسد؛ حركته اليومية المؤدبة.. إلغاء اللباس الغربي للمسرح والعودة إلى شرقيتي.. ولأجل الوصول إلى هذا الهدف، أعتمد منهج "المعاناة" أسلوبا للعرض المسرحي، الأمر الذي يدفع منطلقاتي جميعا أن تركز على البحث الداخلي ـ العودة إلى الذات ـ وصولا إلى مركز الطاقة في الممثل، حيث أقضي فترة طويلة وأعبئ تمارين متنوعة تحثّ الممثل على ملامسة ذلك المركز ـ الذات ـ. وعندما يعثر عليه أو يشعر به، أبدأ بالتعامل مع أدوات أخرى تقويّ ذلك المركز وتدفعه للحضور المجسَّد من خلال تطويره الداخلي وربطه بعلاقة فيما هو خارج الممثل. في هذا السياق بدأ عملي يتنكّر للأساليب التي يرتديها الجسد اليومي أو الجسد المستخدم كوعاء لتجميع المعارف. كما وبدأت أرفض استخدام الحواس على أنها متنصّتاً أو ناقلا للمعلومات عن العالم الخارجي. إنّ الحواس (النظر، السمع.. الخ) ليست مجرد وسائط نقل معلومات بالنسبة لطريقة عملنا. إنها عناصر تواصل ـ توازن بين العالم خارج الذات والذات. إن الإنسان الشرقي ذو طبيعة استقبالية أكثر مما هو ذو طبيعة إرسالية. نحن نستمع ولا نتسمّع. والقرآن يحذّر من التنصت من وراء في الحجرات. وفي هذه المرحلة أنا لا أعتبر " المشاهدين " مجموعة عناصر استقبال أستخدمها لإيصال فكرة، أو لإرضاء غروري، أو للبحث من خلالها عن الشهرة، أو أمارس عليها سلطة ما، أو أقول لها شيئا، أو أعلّمها شيئا. لا. إنّ علاقتنا بالمشاهدين هي الأخرى علاقة امتداد، تواصل، ومجابهة. وهكذا، فأن العلاقة مع المشاهدين لا تتم إلاّ عبر اكتشاف المركز ـ مركزنا ـ ثم تقويته وتطويره حتى يصل مرحلة الاستعداد للوقوف وجها لوجه أمام ذلك العنصر الجديد: المشاهد. أما في مرحلة التركيز على اتصال المركز ـ الذات ـ بما هو خارجها، فإنني أعمل مع جملة عناصر أهمها : الممثل الآخر، الفضاء المسرحي، والنص. إن علاقة الممثل بما هو خارجه، في هذه المرحلة، هي علاقة شرطها الأساسي العري ـ كشف الذات ـ وملامحها الامتداد، والتواصل، والمجابهة. كما إن هدف هذه المرحلة يكمن في توحيد ذات الممثل العارية مع عناصر العمل المسرحي الأخرى لكي يصبح الجميع ـ ذات ـ واحدة لها مركزها الخاص الذي نوظّبه بحيث نتعامل مع عناصر جديدة خارج تلك الذات ؛ أعني المشاهدين. ولأجل الوصول إلى نتائج مرضية في هذا الصدد، نحاول جميعا أن نتعلم بجديّة كيف ننسى ما تعلمناه لكي نسمح للتجربة الجديدة أن تتغلغل في كياننا. ذلك أننا إذا ما استخدمنا معاييرنا التي تعلمناها لن نغتني إلاّ بعدم الفهم لسياق التجربة، مما يدفع إلى الملل والكراهية لأننا نريد إجبار التجربة الدخول في آليّات تفكيرنا وليس في بنيتها الذاتية. لهذا فنحن نفترض أن من يأتي إلى المسرح عليه القدوم بقلب حار ورأس بارد لا تكبّله تصورات مسبقة عن أسلوب عمل أو عن زملاء آخرين أو عن أنفسنا أو عن حلول فنية معينة. نحن نبحث عن أنفسنا في سياق صيرورة مراحل العمل المسرحي لأجل اكتشاف ـ الأنا ـ ولانفعل ذلك في التمثيل، أو الحلول الأجمل، أو التساؤل عن الـ " كيف "، كيف ألعب الدور، كيف ألقي هذه الجملة، كيف يبدو شكلي من الخارج. بمعنى آخر نحن لا نبحث في تطبيق استخلاصات نظرية ـ أكاديمية على تجربتنا المسرحية، لأننا لا نبدأ من البعد النظري ولاندرس مدى تحققه في التطبيق العملي. بالعكس. إننا نحاول أن نتعلم من خلال التجربة العملية. إن تجربة حالة محددة وإعادة اكتشافها وصقلها وبلورتها والسماح لها بالتغلغل عميقا في ذواتنا، هو الذي يمنحنا المعرفة. أنا لا أدعي المعرفة قبل التجربة. أنا أؤمن وبشكل قاطع أن التجربة هي التي تقودني إلى المعرفة. في هذا السياق يتنكّر عملنا للأكليشيهات التي يرتديها الجسد اليومي أو الجسد المستخدم كوعاء لتجميع المعارف. كما ويرفض عملنا استخدام الحواس على أنها متنصّتاً أو ناقلا للمعلومات عن العالم الخارجي. إنّ الحواس (النظر، السمع.. الخ) ليست مجرد وسائط نقل معلومات بالنسبة لطريقة عملنا. إنها عناصر تواصل ـ توازن بين العالم خارج الذات والذات. نحن لانشغل أنفسنا بالمشاهدين، ولا نثير تساؤلات من مثل كيف سيستقبل المشاهد ذلك الحدث؟ أو.. هل هذه المعالجة واضحة بالنسبة له؟ أو.. أليس هذا معقّد عليه؟ إن مثل هذه الأسئلة وأسئلة كثيرة في ذات الاتجاه تُخرج عملنا من سياقه (مبدأ المعاناة) لتضعه في سياق آخر (مبدأ العرض) الذي يشترط أولاً كيفية إيصال المادة المسرحية إلى المشاهدين من قبلنا نحن الذين لا نعتبر بالنهاية، بالنسبة لهذا الأسلوب، أكثر من ناقلي معلومة، أو مروّجي أفكار، أو أدوات تُستخدم لإيصال مقولات محددة. نحن لا نمثل شخصية (نندمج فيها أو نحافظ على مسافة محددة بيننا وبينها). إن هذين المفهومين يدفعان الممثل للبحث خارج ذاته عن ملامح شخصية ما (تاريخها، أبعادها) وبالتالي تطويع الممثل لارتداء تلك الملامح أو دفعه للاندماج في كيان مؤسس خارج ذاته. إن هذا، مرة أخرى، استخدام للممثل هدفه محاكاة الحالة الداخلية للشخصية المسرحية. نحن نبحث في إطار آخر يدفعنا لأن نتعامل مع الشخصية المسرحية باعتبارها ملامح موجودة في الذات لكنها غائبة عنا بسبب القمع الواعي أو اللا واعي الذي نمارسه عليها أو بسبب إهمالنا لها أو لأسباب أخرى. بحثنا هنا يريد تحطيم القيود أو العوائق التي تمنع ظهور ما هو كامن فينا. كذلك نتعامل مع الشخصية المسرحية (في أحيان أخرى ولأغراض محددة) باعتبارها مشرطا يقودنا إلى ذواتنا، يكشف لنا من نحن بالضبط، ما الذي تخفيه أرواحنا، وأين تكمن العوائق التي لا تسمح لنا بالإجابة عن سؤال؛ من نحن؟.. إنّ الرغبات الشريرة، مثلا، موجودة داخل كيان كل ممثل، وما عملية الإلغاء لتلك الرغبات أو محاربتها رغبة في انتصار الخير، إلاّ شكل من أشكال العوائق التي تعيق الممثل من أن يكون كما هو مكونا وحدته الكلية. إن كشف الحالة الداخلية للممثل والتطهر منها هي بالضبط ما نعنيه بإزالة العوائق. ذلك أن إماطة اللثام عن عناصر يريد الممثل أن يخفيها هو ما يدفعه للاعتراف بوجودها، بوعيها، وللتحرر أو التطهر منها. نحن لا نمثل الشخصية المسرحية. نحن نبحث عن ملامح الشخصية في داخلنا، داخل أو في طيات تجاربنا الشخصية. ونحن نبحث ذلك بمستويات عدّة لا تقتصر على بعد واحد ؛ البعد المرئي. نحن نعمد إلى التأويل، البنيوية، ونعمد للبحث في الأبعاد المرئية وغير المرئية. وأخطر ما في عملنا هو تفسير كلماتنا ومهماتنا ببعد واحد، أو إعطاء صفة القطعية على تفسير محدد. كذلك نحن لا نبحث في كيفية إلقاء الحوار. نحن نبحث عن تغلغل الحوار إلى الداخل (المركز) ومن ثم انطلاقه إلى الخارج. لهذا فنحن لا نشخص الحوار. نحن نحسّه من الداخل. عموما، إن التشخيص بالنسبة لنا هو إعادة أو تكرار لحالة واحدة اكثر من مرة وعلى اكثر من بعد. ونحن نعتبر هذا هدرا للطاقة بدلا من توزيعها بشكل متعدد المستويات يمنح الكلام أبعادا أخرى، إضافة إلى أن التشخيص اتهام للمشاهد بأنه قاصر عن استيعاب شيء ما إلاّ بعد تكراره. نحن لا نبحث في عملنا عن نتائج. النتائج لا تشغلنا لأنها تحصيل حاصل. نحن نبحث بصدق عن الطريق إلى أنفسنا. ومثل هذا البحث يشبه إلى حد بعيد مغامرة الدخول إلى غابة كثيفة الأدغال ومليئة بالوحوش. نحن نركّز على مدخل الغابة. وفي الطريق، نثبّت لأنفسنا علامات بحيث لا نضيع، إذا ما حدث لنا حادث ما (ضعف التركيز، أو تعقّد وتشابك المهمات). إننا نعتبر معرفة الطريق وإضاءته بعلامات محددة هو الضمان الوحيد للسلامة إذا ما ضعنا في غابة البحث عن الذات. بمعنى آخر إننا نؤكد دائما على العودة إلى القواعد الأساسية إذا ما اكتنف بحثنا الغموض. الفضاء اللاّ مسرحي المسرح يموت. يساعد في دقّ مسامير نعشه ترسيخ تقنياته التقليدية، ومحاولة توسيعها وتنويعها وإعادته إلى الحياة من خلالها بهدف التمكن من منافسة أدوات إعلامية واسعة الانتشار ومعاصرة، مثل التلفزيون والسينما والفيديو. إلاّ أن التركيز على هذه التقنيات باعتبارها بديهيات هو بالضبط ما يُحجّم المسرح ويقولبه في إطار ثابت، منتفخ، ومزدحم. وكما هو معروف فإن أرسخ الأطر هو العلبة الإيطالية أو ما يستحدث عليه اليوم اسم خشبه المسرح. إذا ما نظرت إلى ذلك الصندوق (خشبه المسرح) من بعيد ستجد أن الفرق بينه وبين شاشة تلفزيون أو سينما أو كومبيوتر ليس بالكبير. الفرق الوحيد، ربما، هو أن ثمة من يتحرك في ذلك الصندوق، الآن، وإن ثمة من يُحيّي في النهاية ومن يصفّق... هذا هو ما تبقّى من العلاقة الحية الحيوية بين عنصريّ العرض: الممثل والمشاهد. لقد تحول المشاهد منذ زمن طويل إلى عنصر سلبي يستقبل ما يريد العرض المسرحي قوله. وبهذا يتساوى الجميع، جميع من يجلس في الصالة، أمام عرض مسرحي يقول لهم شيئا واحدا؛ حكاية واحدة، زاوية نظر واحدة، ديكور وإضاءة واحدة. الجميع يرى وجه الممثل أو بروفيله، ولا أحد يرى قفا الممثل في اللحظة التي يرى فيها آخر مقدمته. أن مثل هذه العروض تذكرني بسياسة القطيع! لقد سيقت شعوبنا كجماعات (أو قطعان بالأحرى) إلى شيء ما. جماعات يسوقها دكتاتور واحد. جماعات تتبع حزبا واحدا. جماعات تتبع شاعرا واحدا. أو مخرجا واحدا. أو نبيا واحدا. لم أعد أؤمن بهذا كلّه! الالتباس والتنوّع في العرض المسرحي، " وفي الحياة بشكل عام " هما شعاري. إنّ ما يراه أحد المشاهدين في المشهد يراه الثاني بطريقة أخرى، ومن زاوية مختلفة، زمانية، مكانية ونفسية. بحيث أحاول أن يخرج كل مشاهد من مسرحيتي بتأويل لا علاقة له بتأويل المشاهد الآخر. في مسرحية " ظلال في الرمال " يتباين رأي مثقفين مسرحيين بلجيكيين؛ مديرة معهد البحوث المسرحية الفلامانية وأحد مستشاري وزير الثقافة لشؤون المسرح. الأولى تقول أني تأوربت، والثاني يصرّح أنّ عليَّ التخلص من تأثير الطقوس اليابانية! بهذه الطريقة يفقد المسرح سلطة المقولات، والشعارات، ويكتسب طاقة أخّاذة كالكلمات غير المدوّنة في الحضارات الشفاهية التي تقبل تأويلات تناقض بعضها بعضا، أو كالفن التجريدي المعاصر، يبعث في كل مشاهد حكاية المشاهد، وليس حكاية اللوحة. أنا لم أعد أؤمن بالسلطة. في المسرح الذي أؤمن به لا وجود للسلطة. لا سلطة للنص، لا سلطة للمخرج ولا للممثل. ثمة علاقة ليست بديهية نسعى لبنائها. علاقة يحدث فيها التفاعل Interaction وليس التزاحم ـ التنافس Rival بين عناصر العملية المسرحية. وبهذا المعنى فأن المكان المسرحي المتعارف عليه هو سلطة أسعى لإلغائها لكي أتمكن من اكتشاف الإمكانات اللا متناهية في الفضاء الآخر؛ الفضاء اللا مسرحي. الفضاء اللا مسرحي هو أي فضاء لا يخضع لشروط العلبة الإيطالية التقنية أو المسرح الروماني أو الإغريقي. الفضاء المسرحي هو مكان ثابت تضع عليه ديكوراتك وتصمم على تلك الديكورات مشاهد مسرحيتك ولكي تجد التأثير المناسب للمشهد تستخدم الإضاءة، والستائر.. الخ. إنّه مكان متحفي! لوحة توضع في المكان المناسب بعد أن جفّت ألوانها، وتُوجّه عليها الإضاءة المناسبة! الفضاء اللا مسرحي، هو فضاء حي يدفعني لأن أكون وأتكوّن فيه، و.. الآن. فضاء لا يقولب الجمهور بحضور سلبي، إنما يعتبره الممثل الآخر في المشهد.. إنّ حقيقة خروج الفضاء اللا مسرحي عن قواعد الفضاء المسرحي تكسبه طاقة حيّة لا محدودة. فالتمرد على العادة يخلق الثورة. الفضاء اللا مسرحي، فضاء لا يطلب منك أن تزيّنه، أن تصممه، أو تصمم فيه شيئا. لا. إنه فضاء تصغي إليه فيفتح لك آفاقا تشكيلية لا متناهية. تأتي إليه بجسدك كممثل فيحتويك كرحم الأم. تتكور فيه فيتسع لك. ثم إذا بك بعد زمن من العلاقة اللاّ متسلطة تكتشف أن طبيعتك الجسدية قد تغيرت في الفضاء، وإن الفضاء بدأ يكشف عن آفاقه المشهدية. في مهرجان المسرح العالمي في أوكرانيا، وكنّا قد قدمنا مسرحية " دماغ في عجيزة " في كنيسة، سألني ناقد مجلة المسرح فيما لو كنت اختصاصيا فقط في تقديم عروضي بالكنائس، أم إنني أعمل في فضاءات أخرى؟ وفي امستردام، في Veem Theater المختص بعروض مسرح الحركة، علّقوا بعد عرض ذات المسرحية، أنهم لم يكونوا يعرفون أنّ الفضاء الذي يعملون فيه يمتلك هذا القدر من الأسرار. إن هذه الطريقة في العمل تبقي العرض المسرحي نيئا، طازجا. ذلك أن حيوية الفضاء ووضع الممثل النفسي وتفاعل المشاهد يتمتعون بقدرة على تغيير مكان المشهد المسرحي كل يوم. فلا يعود العرض المسرحي اليوم تكرارا لما حدث أمس: في أوكرانيا، في الكنيسة، تحول مشهد الرقص في الغابة الذي قُدم في Arenbeg Theater من خلال تسلق الستائر، تحول المشهد إلى عزف على البيانو. كذلك تحول مشهد يقظة الرجل من تعبير حركي حاد إلى عزف إيقاعي على الحيطان والأرض. وفي مشهد يقظة من الموت (الولادة) في Veem Theater ألغينا أيضا الرقص العنيف من جنوب أفريقيا الذي قدمناه في أوكرانيا وجاءت بدلا عنه أكوام من الريش تنتفه الممثلة من جلدها حتى تصبح عارية. فكرة الريش استلهمناها من الأقواس في سقف المسرح. فأثناء الارتجالات تسلّق أحد الممثلين إلى السقف بحثا عن علاقة جسدية بالفضاء. هناك عثر على بقايا أعشاش للحمام. الأعشاش والحمام اصبحا ريشا. أما علاقة الممثل بالريش فقد دفعت التأويل المشهدي باتجاه آخر. لقد كان الممثل مرعوبا من الريش. لأن ريشة صغيرة جدا، استقرت في أنفه ذات يوم وأُجريت له عملية جراحية لإخراجها من القصبة الهوائية. لقد منعت الممثل من الاقتراب من الريش فاستحال الريش إلى طريق سحري تختطّه المرأة للاقتراب من الرجل. أما برودة الرجل باتجاه المرأة فقد منحت ذلك الطريق الريشي شكل الموت الأبدي. العرض المسرحي كائن من لحم ودم يتأسس ويحيا كل يوم من جديد. العرض المسرحي ليس لوحة تنهيها لتضعها في متحف أو تنتقل بها من جاليري إلى آخر. المسرحية تعيد تأسيس معمارها المشهدي. المسرحية تكشف نفسها من جديد في الفضاء الجديد. إنها كالماء تنتشر حسبما يقرر الفضاء أو الفراغ ذلك. * * * كل ما تقدم لا يعني أني أرفض العمل على الخشبة. إنّني، بالأحرى، أسعى لإلغائها كسلطة تاريخية ثم التعامل معها من جديد باعتبارها فضاءً آخر كبقية الفضاءات، بعد تجريدها بالطبع من قوانينها التقنية: صالة ـ خشبه مسرح ـ إضاءة ـ ديكور ـ موسيقى.. الخ. إن عرضا مسرحيا ما يجب أن يكون قادرا على تقديم نفسه في حجرة أو في صالة كبيرة. في مكان مسرحي أو لا مسرحي. وإن هذا لا يتطلب سوى الإصغاء للفضاء (لا استجوابه) إصغاءً جسديا، حدسيا، حسيا في محاولة للانتماء إليه من خلال العودة عن طريق الذاكرة الانفعالية، إلى المكان الأول؛ رحم الأُم، أو إلى فضاءات تثير ذاكرات انفعالية مشابهة. لقد تأكد لي أيضا أكثر أن وعي هذه التجربة وإنتاجها فنيا يسمح بوضع حواجز أو مسافات بين الممثل والمشاهد، كما يسمح بإلغاء تلك المسافات إلغاءً تاماً. حيوية النص أحاول في بحثي تأصيل العلاقة بين النص والعرض المسرحي بطريقة لا يعتدي فيها المخرج على النص بحجة أنه هو مؤلف العرض المسرحي، ولا يتعامل مع النص ككتاب مقدس. انتبه! إن هذا الكلام ليس بديهيا كما قد يبدو للوهلة الأُولى. إذ يتوجب بدءً إقناع المؤلف بحقيقة أن النص المكتوب على الورق يتعرض لتطورات جوهرية أحيانا لكي ينتقل من المستوى المكتوب إلى المستوى المرئي، المسموع. يجب إقناع المؤلف أيضا أن عملية التحول هذه تشبه إلى حد بعيد عملية تحول الماء السائل إلى بخار أو الشرنقة إلى فراشة. بمعنى آخر، أحاول في بحثي أن أقنع المؤلف أنه لا يتوجب ظهور النص على المسرح كما كُتب. فالنص في علاقته مع المخرج إنما يستجيب للتأويل. ذلك أن المخرج يجد غوايات محددة في النص. وهذه الغوايات هي التي تحدد مسار العرض بعد أن تكتمل، بالطبع، بتأويل الممثل. أحاول إذن في عملي التركيز على العلاقة بين المخرج والنص والممثل، بحيث تغيب سلطة المؤلف المقدس، والمخرج الخالق، والممثل النجم. إن القوة الجبارة لنص مسرحي ما، لا تكمن في كلماته أو قوله الفلسفي. ذلك أن كل النصوص الأدبية وغيرها تحتوي على كلمات ومقولات. إنما تكمن قوة النص المسرحي في حيويته، في لا محدوديته للاستجابة للتأويل وسماحه بأن يتغير من شكل إلى آخر. كذلك قدرته على أن يتفكك ويتركب مستجيبا لشتى ضروب التحليلات، وحتى قدرته على أن يبدأ من نهايته ليبعث في ذاته تركيبا جديدا. ولكن ما معنى قدرة النص أن يبعث في ذاته تركيبا جديدا؟ أليس هذا قولاً تجريديا وغامضا؟ سأتعامل لمرة واحدة وأخيرة في هذا النص مع مثال عملي لإيضاح وجهة نظري: إبّان التمارين الأخيرة على مسرحية " ظلال في الرمال " رحت أزور محلاًّ كبيرا للبسط الإيرانية. ولإغراض العرض المسرحي استعرت سجادتين متشابهتين وعلقتهما في فضائين مختلفين. ولكن قبل أن أسترسل، عليّ أن أسرد موضوع المسرحية: تتحدث المسرحية عن عريف في جهاز المخابرات العراقية، مختص بتعذيب المعتقلين السياسيين. أُحيل العريف إلى التقاعد ثم قُتل على يد ذات الجهاز الذي كان يخدمه. مساءً، بعد أن تنتهي مراسيم دفنه، وقبل أن تأتي الملائكة لتحاسبه، تزوره الجنية الجميلة، عشيقة أحلامه. تنتزعه من القبر وتنكبُّ على ممارسة طقوس سحرية لإعادته إلى الحياة. فعودته إلى الحياة هي الوسيلة الوحيدة لتجنيبه عقاب الآخرة. بيد أنّ الرحلة السحرية لإعادة العريف إلى الحياة تمرّ من خلال الحياة الواقعية التي عاشها العريف كشخصية جلاّد لا تتورّع حتى عن ممارسة أبشع المحرمات. المسرحية مكوّنة من ثمان حكايات شعبية و (12) مشهداً واقعيّاً. والآن، فلأعد إلى حكاية السجادتين التؤام: كنت مشغولا مع مهندس الإضاءة حين سمعت الممثلات يطلقن كلمات الإعجاب بالسجادتين. واحدة تبعث فيها الزولية الغامقة اللون هالة من الطمأنينة، والأخرى تميل إلى تلك الفاتحة اللون لأنها تثير البهجة. وأنا أبتسم في سرّي من مِزاح الممثلات، نظرت إلى السجادتين المعلقتين. فإذا بهما تتناقضان بالألوان حقاً! الأولى داكنة والثانية فاتحة اللون، وقوة أو ضعف اللون تتحدّد حسب علاقة مسقط الضوء بالزولية. أغلقت الأضواء وإذا بالبساطين، مرة أخرى، نسخة عن بعض. حسناً، قلت لنفسي: إذا حوّلت المشهد الواقعي في " ظلال في الرمال " إلى منظومة حركيّة، صوتيّة مجرّدة (التعتيم على الكلمات) وإذا عملت على تجسيد الحكايات الثمانية بالجسد والكلام (إضاءة كلمات الحكاية) فماذا يحدث؟ بعد 16 ساعة من التمارين تحوّلت القصص الشعبية إلى حكايات حب وحشية تنتهي دائماً بمصرع الجنية ذات الأرواح السبع على يد عشيقها الجلاد. ثمة حرب خفية بين الجلاد و (والدها) شيخ الجن تنتهي دائماً بانتصار الجلاد. شيخ الجن يحاول المستحيل لكسب الصراع. فيبعث للجلاد؛ (سعلاة في سراديب المقبرة. حيتان في الصحراء. ذئاب في موسم حصاد الشوك. جيش من الغربان تحت الرمال) بيد أنّ النهاية تبقى دائماً هي هي.. الحكاية الواقعية المجسَّدة في هذا التأويل كحركات ورقصات وأصوات، تعطي المشاهد أحاسيس عن المواجهة الضروس بين الجلاد وشيخ الجن. وحينما تتطور الحكايات إلى عمى شيخ الجن ونجاة العريف المتكررة ومقتل عشيقته الجنية عند نهاية كل حكاية، يستحق العريف شخصياً أن يُتوَّج شيخاً على الجن.. السلطة هي فن القتل. هكذا كانت منذ مطلع حكاياتنا الشعبية حتى اليوم. تلك هي رسالة المسرحية. بعد ذلك، وفي العروض اللاحقة، قرّرنا أن نُضيء النص من زاوية معاكسة: حوّلنا الحكايات الشعبية إلى صور وأصوات عنيفة وحركات هائجة (تعتيم على كلمات الحكايات) وركزنا على مقولات المشاهد الواقعية (إضاءة كلمات المشاهد الواقعية) فأصبحت حكاية المسرحية كالتالي: ثمة عريف في جهاز المخابرات يُهدّد بالإحالة على التقاعد، لكنه يتشبث بوظيفته بأي ثمن، مما يدفعه إلى قبول استجواب زوجته كآخر معتقل، أو آخر أمل في بقائه على قيد الحياة. يأخذ زوجته في إحدى زنازين الأمن لكي يستجوبها ذلك أنها متهمة بتفجير نادي الضباط الليلي الذي كانت تشتغل فيه ابنتهما (فريال) كعاهرة للترفيه عن الضباط العائدين من خطوط النار. العريف يتّهم زوجته أنها هي المسئولة عن موت ابنته في ذلك الانفجار لأنها كانت تغار من العلاقة الجنسية بين العريف وابنته. رحلةٌ زادها التعذيب بأنواعه وخاتمتها مصرع الزوجة على يديه، ثم جنونه، لإدراكه أنه إنما قد أطلق النار على نفسه حين أحال زوجته إلى جثة. حكاية الضئيل حتى اللعنة. بحث في خراب الفرد واستعداده لارتكاب أي فعل، حتى أشنع المحرمات للوصول إلى أهدافه. تلك كانت رسالة المسرحية في التأويل الثاني. في التأويل الثاني تحولت الحكايات الشعبية إلى منظومة صورية ـ صوتية هي تجسيد لمراحل التعذيب الوحشية التي يمارسها زوج مع زوجته، أو رجل مخابرات مع معتقل. أترى؟ إنّ بإمكان المسرحية (أو السجادة الإيرانية) أن تتحول إلى ما تريد. حينما تعتّم على الحكاية الشعبية تتوهج صور لا معقولة عن التعذيب المعاصر. وحينما تعتّم على الحكاية الواقعية ترى الحكايات الشعبية وقد اكتست لبوس العنف والجنس والكابوس. إنّ مثل هذه القدرة حاضرة في نصوص كثيرة. إلاّ أنّ مالا يسمح للنص بأن يعيش حياته الداخلية الحيوية هو هيمنة الكاتب، وتسلط المخرج على مقدراته إلى حدود (نسفه) كما يحلو لبعض المخرجين العسكريين أن يرددوا. حيوية العرض نحاول في بحثنا عن علاقة مع المشاهد أن لا نكون آباء ولا أبناء. العرض الأول هو البروفة الأولى مع الجمهور، والعرض الأخير ربما هو العرض الوحيد في المسرح. العرض ينمو من خلال ملاحظات المشاهد، من خلال التفاعل العضوي بين عناصر العرض المسرحي والفضاء المقترح الجديد. في مشروع البدو المشاهد هو الذي يمنح الفرقة فضاء يؤسسه حسبما يريد وما علينا إلا أن نأتي ونبقى لبضع ساعات ثم نقدم العرض. في عين البلح كنا على استعداد لحذف الجزء الأخير من العرض إذا ما طلب الجمهور ذلك. وقد شجعنا الجمهور على اتخاذ قرار وكان أن بعض المشاهدين غادروا الصالة بالفعل بعد الجزء الأول. نحن لسنا سجانين على المشاهدين ونقول هنا مشاهد علي أن أتمسك به حتى النهاية لكي أطرح عليه رسالتي. العلاقة مع المشاهد علاقة طوعية لكننا اشترطنا على المشاهد أن يصمد في الصالة حتى أمام أسوأ أنواع العروض المسرحية. نحن نقول مثلا أن المشاهد يجب أن يحترم جهد العاملين في العرض وكأن مجيئه للعرض ليس احتراما وذهابه حنقا واحتجاجا بعد أن خاب ظنه أو نقدا ذاتيا على خطأ اختياره للعرض المحدد. في لوفن ذهب المشاهد ليعايش تجربة حسية والمسرح قدم له وحده. كل مشاهد يخاطب باعتباره واحد. لكن كل المشاهدين يتلقون ذات الرسالة. هل يحق للمشاهد أن يأكل؟ أن يدخن؟ ينظر خلف الكواليس؟ يتحدث مع الممثلين دون أتكيتات؟ أن يتآمر مع ممثل على ممثل آخر؟ * * * وبعد، هذه خطوة في الطريق إلى تشكيل رؤية مسرحية قائمة على التساؤل والحدسية والحسية.. خطوة باتجاه نفسي علّني أتجاوز تقليديتي التي مازالت تتشبث بي! 1996 أنتورب |